Accueil > الكتابات > جدلية التنشيط : من التماثل إلى التفاعل

جدلية التنشيط : من التماثل إلى التفاعل

جدلية التنشيط : من التماثل إلى التفاعل

ملخص بحث من  إنجاز: كمال هنيد

 

        إن أهم ما يستوقف المرء عند الإطلاع على المنتوج البحثي المنجز في بلادنا العربية والمغاربية حول الشباب ، تلك الصورة القاتمة التي تظهر فيها الفئات الشبابية . إذ تعتبر أغلب هذه البحوث وتنظر للشباب على أنه حجم ديمغرافي هائل وعبء يثقل كاهل هذه الدول ويستنزف اقتصادياتها ، بحجة أن المرحلة العمرية للشباب، هي مرحلة تضع فيها هذه الدول الحجم الأكبر من مقدراتها في التربية والتعليم والتدريب ولمجابهة نفقات التغطية الصحية والاجتماعية وتأمين مواطن العمل وإلى غير ذلك مما تستثمره هذه الدول لفائدة شبابها ، في انتظار اندماج هذه الفئة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية .

إن هذه النظرة التي تعتبر الشباب مشكلا ومشغلا في ذات الآن، خاصة عندما تصدر عن نخبتنا ومفكرينا- وإن كانت في جانب منها منطقية- فإنها لم تساهم بالقدر الكبير في تنمية الوعي بالتحديات التنموية التي تواجهها أقطارنا، فكيف نبني حاضر أمة ومستقبلها  » بأغلبية معطلة » بفئة تعتبر رجالا ونساء مع إيقاف التنفيذ، والخوف كل الخوف ها هنا أن تصرف هذه الطاقات الكامنة لشبابنا – في انتظار الاعتراف بكينونته- في متاهات قد يصعب ويستحيل الخروج منها بسلام في عالم تتدافع فيه القيم حد التناقض وتتشعب فيه سياقات العولمة ويحتد فيه باستمرار ما يعبر عنه بصدام الحضارات.

         وبحكم انتمائنا المهني إلى قطاع الشباب، ومن منطلق وعينا بالتحديات التي تواجه مجتمعاتنا العربية والمغاربية بالخصوص، فإننا ارتأينا من خلال هذا البحث المساهمة في رفع اللبس الحاصل لدى العاملين بمؤسسات وهياكل وجمعيات الشباب، حيال سرعة تغير الواقع الشبابي وتعقد أشكال العمل الاجتماعي والتربوي والثقافي الموجهة لهذه الفئة، وذلك عن طريق البحث في إشكالية الكفايات المهنية التي من المنتظر أن تتوفر لدى الفاعلين الاجتماعيين في مجال الشباب قصد تفعيل مشاركة هذه الفئة الاجتماعية في الارتقاء بذاتها وفي تنمية المجتمع، ديدنها في ذلك حبها وولاؤها لوطنها ولهويتها ووعيها بالتحديات التي تواجه أمتنا، والمساهمة الفاعلة في رفعها.

         لذلك، اقترحنا ضمن هذا العمل الطموح منهاجا جديدا، قدرنا أنه قد يساعد في بلورة رؤية جديدة للتفاعل مع الشباب وإعداده لفهم حاضره والشروع دون انتظار في بناء مستقبله، وذلك عبر تمش جدلي، ينتقل فيه الفاعلون الاجتماعيون من مجرد أوصياء على الشباب إلى مرافقين ومساعدين، وينتقل فيه الشباب من مجرد مستهلك إلى طاقات وقادة فاعلة تنظر للماضي بفخر وامتنان وللحاضر بوعي واقتدار وللمستقبل بتفاؤل واستشراف، كما حاولنا من خلال هذا العمل أن نأخذ من نواتج البحوث الغربية كما أخذوا منا عبر تاريخ الإنسانية ما جرّب فصحّ.

لذلك طرحنا في هذا البحث الإشكاليّة التالية:

هل يمكن تحديد كفايات مهنية للمنشط الشبابي في ظل استقاء الممارسة التنشيطية لأسسها ومرتكزاتها النظرية من حقول معرفية متعددة وفي ضوء تنوع واختلاف وظائف التنشيط وتعدد محامله مسايرة لتغير الحياة الشبابية؟

وللإجابة عن ذلك وضعنا الفرضيات التالية:

– رغم ما يوصف به التنشيط من حراك ورغم تعدد مرجعياته النظرية وضروب ممارساته فإنه من الممكن تحديد كفايات مهنية للمنشط الشبابي قادرة على استيعاب مختلف مقاصد ووظائف التنشيط الشبابي والاستجابة  لمختلف متغيرات الحياة الشبابية.

– إن ضبط وظائف وأهداف عامة للتنشيط الشبابي يُمكّن من ضبط الكفايات المهنية الضرورية التي يجب أن تتوفر لدى المنشط الشبابي.

وقد اعتمدنا لاختبار هذه الفرضيات على المنهج الوصفي لاستعراض أسس ومرجعيّات ومسارات الممارسة التنشيطيّة بمؤسسات الشباب بتونس منذ بداية التجربة في الستينات تم وصف واقع هذه الممارسات، كما اعتمدنا المنهج التحليلي في تحليل مختلف المرجعيّات النظريّة والمقاربات التي ساهمت في تأطير التنشيط والذي مكننا من استخلاص أهم مقوماته وأهدافه ووظائفه كما مكّن من استنتاج نقاط التماس التي جمعت مختلف هذه المقاربات وأسست لجدليّة خصبة بينها وبين تجليات الممارسة التنشيطيّة وخاصة منها المتصلة بتنشيط الشباب.

وللتأكيد على تعدد مرجعيّات التنشيط خصصنا حيزا هاما من البحث لعرض وتحليل أهمّ المرجعيّات المعرفيّة والمقاربات النظريّة التي من أهمها المقاربة التربوية التي أدرجت التنشيط ضمن ما يصطلح على تسميته بالتربية الشعبيّة أو التربية المستديمة، التي ظهرت في شكل بديل لا غنى عنه للتربية الكلاسيكية وكمقوم أساسي لاكتساب المعرفة والثقافة خارج أسوار المدرسة النظامية.

كما تم تحليل كل من المقاربة الاجتماعية والمقاربة النفسية باعتبارهما من أكثر المقاربات تأثيرا في مسار البحث في مجال التنشيط من جهة وفي سياقات ممارسته الميدانية من جهة أخرى.

وقد مكن تحليل مختلف المقاربات المعرفية من الوقوف على أهم وظائف التنشيط على غرار وظيفة التأقلم والإدماج والوظيفة الاقتصادية والتنمويّة ووظيفة الترقي الثقافي ووظيفة التعديل…وغيرها

وقد برزت مقولة « الوظيفة » كحلقة تماس بين مختلف التعريف الواردة حول التنشيط وزاوية تناول هامة مكنتنا من تجاوز ذلك الفصل بين التنشيط والعمل الاجتماعي في المرجعيات والمقاربات التي يصطلح على تسميتها بالنظرية وبين التنشيط كممارسة وفعل ميداني ومهني.

وقد اتضح من خلال ذلك أنّ هذا الفصل بين النظري والميداني يوصف عادة بأنّه فصل منهجي هو من أهمّ العوائق التي حالت دون التوصل إلى مقاربة قادرة على استيفاء شروط النظريّة العلميّة من جهة وعلى الإجابة على بعض ما يحيط بالممارسة التنشيطيّة الميدانية من إشكاليات من جهة أخرى.

وهو ما سمح بالقول بأن التنشيط هو فعل تتفاعل فيه الممارسة بالوعي والتفكير أي بمعنى أن يكون التنشيط ممارسة واعية وفعلا يتجاذب فيه المعيش والممارسة والتفكير في حركة يفترض أن تشمل عديد الحقول ذات الاختصاصات المختلفة لأنّ التنشيط كممارسة واعية اجتماعي بالطبع وجملة المواضيع التي تكونه (التربوي- الإجتماعي – الثقافي…) لا يبرز قابلا للانتماء إلى اختصاص بعينه، وهو باعتباره ممارسة اجتماعية يؤلف بين مجموعة من الاختصاصات في ذات الآن فهو نفسي واجتماعي واقتصادي وقانوني ونفسي -اجتماعي…. ولأن حقول ومجالات تدخل المنشطين أثناء مباشرتهم للممارسة التنشيطية تتمحور حول المحلي وحول المحيط، فإن ذلك يحتم تقاطع مقاربات علمية مختلفة/ اجتماعية عند التدخل لاتخاذ القرارات التي تهم وضعيات اجتماعية معنية وسياسية ومنظومية عند ما يتصل الأمر بربط العلاقات بين المحلي والعام، ونفسية فيما يهم وظائف الوساطة والتعديل وإلى غير ذلك.

وباعتباره كذلك فقد تبيّن أنه يمكن مقاربة التنشيط عبر شكلين متجادلين:

شكل استهلاكي: يقدم فيه التنشيط للأشخاص والمجموعات والمجتمع عامة مواد للاستهلاك، بما في ذلك المحتويات التربوية والثقافية. يتصف المستهدف بهذا الشكل من أشكال التنشيط بغياب الحركة والسلبية وتتصل بهذا الشكل جملة من المفاهيم التي يؤصلها ويشرعها وهي: النشاط والعون والبرنامج والمؤسسة بمفهومها الجغرافي والتنشئة والتماثل والممارسة.

التنشيط الرمزي وهو فضاء للخلق والإبداع وتمرير للقيم الرمزيّة والمواقف حول إشكاليات المجتمع وبنية العلاقات الاجتماعية التي تسود فيه. ويقدم هذا الشكل قاموسا مغايرا عن مسابقه تتأصل فيه مفاهيم: الفعل والمشروع والمؤسس والاجتماع والاختلاف والممارسة الواعية….

وفي ضوء هذه الجدلية تظهر بين هذين الشكلين للتنشيط أشكال وسطية يعتمدها المنشط في ظروف جديدة أو مغايرة أو خصوصية وذلك وفقا لاختلاف الوضعيات ورغبة المشاركين ودرجات وعيهم ومستويات تطور العلاقات الاجتماعية في المجتمع والفرص السانحة فينتقل المنشط في أدائه لوظائفه من شكل إلى آخر حسب درجات إدراكه لمتطلبات ومكونات العلمية التنشيطية الذي هو بصددها.

ويفترض هذا الرسم لمنظومة التنشيط عدم الاقتصار على تجميع العناصر المحيطة والمؤثرة في العملية التنشيطية بل تجاوزها إلى مستوى وضع استراتيجيات للتدخل تتنقل فيها تلك البيانات والعناصر المعزولة إلى منظومة مترابطة وإلى شبكة واضحة العلاقات والمعالم.

كما ينتقل بالمنشط من المتماثل إلى المتفاعل الذي يتفاعل مع محيط عمله كفاعل ومؤسس ومقيم ومحفز وموظف للموارد والطاقات، فيصبح في حالة استباق مستمر لنبض المجتمع من حوله وتحدّه هذه الحركة وهذا التفاعل إذا كان عمل المنشط مع فئة الشباب التي تعرف بسرعة التغيّر في حاجياتها وتطلعاتها وبخصائص نفسية واجتماعية مميزة لعل من أهمها رفض الوصاية وحب الاندفاع والرغبة في التجديد…

هذا المنشط الفاعل  يصبح وفق ما تقدم رجل تخطيط يضطلع بوظائف التجميع والتشخيص والتقدير والتنظيم والمتابعة والقيادة والتقييم…، يقبل على فضاء عمله وهو واع بأنه فضاء يتنافس فيه الفاعلون كلّ يسعى إلى فرض ذاته وتحقيق رهاناته فضاء للاختلاف والديناميكيّة وللحركة الإنسانيّة بكافة أبعادها.

وهو ما يفترض القطع مع القول بالفصل بين الممارسة ومواضيعها وبين الوسائل والنواتج، أي أن تُحيط بالفعل التنشيطي للمنشطين والفاعلين الاجتماعيين جملة من العمليات الذهنيّة والممارسات المعقلنة للإجابة عن أسئلة: ماذا نفعل؟ كيف نفعل؟ كيف نعرف كيفيّة الفعل؟ وكيف نقدر على ذلك؟ مع تشخيص ما يحيط بالممارسة التنشيطية من وضعيات ومعطيات وصعوبات ماديّة وبشرية متصلة بالزمن والفضاء والتنظيم الهيكلي والمؤسساتي وما يتوفر لها من موارد وإمكانيات وهو ما يفترض أيضا أن يتمحور عمل المنشط حول أربع أسئلة جوهرية هي:

←  وضعيّة واقعيّة تتطلب الوصف والفهم واستشراف تطورها على إثر العمليّة التنشيطيّة.

←  الرهانات المراد رفعها والتغييرات التي ينتظر إحداثها، والأخذ بعين الاعتبار الموارد المتاحة والمعيقات المنتظرة.

←  القرارات التي يفترض اتخاذها حسب الرهانات المطروحة.

←  القيم التي تشرع وتعطي معنى لهذا الفعل والتي يمكن أن تكون في شكل فلسفة أو قيم أخلاقيّة أو سياسيّة أو استنتاجات واقعيّة مدعمة ومتصلة بالممارسة والخبرة.

هذه المحاور الأربعة تلخص ما يفترض أن يتصف به « … المنشط الواعي بممارسته من ذكاء استراتيجي وكفاءة في هندسة تدخله، تقاس في علاقتها بدرجات تمثلهم الفكري للوضعيات التي يعملون فيها وتمكنهم من تفكيك وإعادة تركيب العناصر المتعددة لهذه الوضعيّة وفهم شبكة العلاقات والتفاعلات التي تربط بينها لتكوين نماذج مهيكلة لمحيط عملهم.

مما يعطي أسسا ومشروعية لتمثلهم لواقعهم ويجعل ممارستهم محل اعتراف ومشاركة من طرف من يشتركون معهم في نفس المبادئ والمسؤوليّة عن التغيير.

ويفترض هذا الطرح أن يتميز المنشط أو القائد الشبابي باقتدارات عالية تترجم في شكل كفايات مهنية، فيها ما يتصل بالمبادئ والقناعات والمهارات الفنيّة متعددة الاختصاصات، وأخرى تتصل بالمهارات الاجتماعية الكفيلة بوضع استراتيجيات للتدخل وربط شبكة متينة من العلاقات، وتكون هذه الكفايات مجتمعة منطلقا لوضع برامج التكوين الأساسي والمستمر التي يجب أن يمر بها المنشط ومحددا أساسا لضبط مؤشرات تقييم وتقويم أدائه.

وتتصف الكفايات المهنيّة « للمنشط الفاعل » و « الممارس المفكر » وفق هذا التصور بأنها بالأساس نتيجة الفهم الذي يتكون لدى مجموعة من الفاعلين الاجتماعيين حيال ما يحكم المحيط الزمني والمكاني والمؤسساتي الذي يشتغلون فيه، بغية اجتنابه أو تجاوزه.

كما تتنزل هذه الكفايات ضمن مجموعة من الوظائف نلخصها كالآتي:

←  تحليل الوضعيات المحلية في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والديمغرافية والسياسية.

←  القيام بتشخيص إثر هذا التحليل وجعله موضوع تفكير وحوار مع أصحاب القرار والمعنيين.

←  تقديم اقتراحات وحلول للمعالجة مصاغة في شكل مشاريع في علاقة عضوية بالأهداف والإمكانيات والموارد والعامل الزمني لتعرض على كافة الأطراف ذات العلاقة.

←  تحديد الأطراف المعنية وتعبئتها لإنجاح الفعل التنشيطي المتفق عليه والحرص على استجابته لتطلعات وحاجيات الجمهور.

←  وضع الإمكانيات الضرورية وأدوات التقييم وقياس مدى تحقيق الأهداف وأشكال اعتمادها وبدائل التقويم.

←  المتابعة الفنيّة لهذه المشاريع المقررة ووضع مخططات لإعلام الأطراف ذات العلاقة.

←  وضع آليات للوساطة تمكن من التواصل بين الأشخاص والمجموعات والهياكل والمؤسسات في مجالات متعددة.

ولعل الوقت قد حان بعد ثورة 14 جانفي 2011، للاضطلاع بهذه الأدوار والوظائف الجديدة للتنشيط، وقد أثبت الشباب التونسي للعالم أنه يمتلك من الوعي ومن الاستعدادات الأولية ما يمكنه من المساهمة الجدية في بناء مستقبله ومستقبل وطنه في اتجاه تحقيق القيم الإنسانية السامية، التي تمثل بدورها مقومات أساسية للتنمية المستدامة.

Publicités
Catégories :الكتابات
  1. Aucun commentaire pour l’instant.
  1. No trackbacks yet.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :